تاريخ المملكة العربية السعودية

 ما قبل القرن العشرين

تحتضن شبه الجزيرة العربية الكويت، وقطَر، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عُمان، واليمن، والمملكة العربية السعودية. ويتسم تاريخها السحيق بنشاط إنسانها للزراعة، والرعي والصيد.
وساعده مرور طرق تجارية قديمة ومهمة عبْرها على التأثير، ولا سيما في نجد والحجاز، بالحضارات المختلفة، كحضارة ما بين النهرَين، ومصر، واليونان، وروما، وبيزنطة، والهند، وفارس، والصين.

غير أن التأثير الأهم في شبه الجزيرة العربية، وبخاصة مكة والمدينة، كان بزوع الإسلام، نحو عام 610م.
وقد حفز العرب دينهم الجديد إلى نشره في حيز، امتد من المحيط الأطلسي في أقصى الغرب، إلى آسيا الوسطى، في أقصى الشرق، حيث واكبت اللغة العربية رواج الإسلام.

 وتمخض الإسلام بحضارة، طال ازدهارها قروناً، سادها الاستقرار، وغزارة المعارف الإنسانية؛ بينما معظم دول أوروبا الغربية، تعاني الفوضى والخرافات، في ما عُرف بعصور الظلام.


ولم يسلب العرب نواحي الإسلام الشرقية، إلا الغزو المغولي، في القرن الثالث عشر الميلادي؛ إيذاناً بزوال نفوذهم. فتداولت قوى شتّى أصقاع الإسلام. وتولى حُكم الدرعية محمد بن سعود (جدّ الحكام الحاليين).


ولم يتردد في محالفة المصلح الديني، الإمام محمد بن عبدالوهاب؛ وأن يُعِيدا معاً عرب شبه الجزيرة العربية إلى نقاء الإسلام. وأكدا هذه الاتفاقية بيمين أدياها، عام 1722. وخَلَف الأمير السعودي، عام 1765، ابنه عبدالعزيز، الذي حافظ على محالفة الداعية الإسلامي الغيور، ودأب في عملية الإصلاح. وسيطر، عام 1773، على الرياض؛ ما أثبت أن التحالف، بين القوة العقدية الراسخة والقوة العسكرية الفاعلة، لا يستطيع العديد مقاومته. وهو ما ساعد الدولة السعودية على بسْط سلطانها، في غضون خسمة عشر عاماً، على بقاع نجد كافة.

 وورث عبدالعزيز، عام 1803، ولده سعود، الذي بادر، في العام نفسه، وبتحريض من شريف مكة، إلى السيطرة على تلك المدينة المكرمة، حيث حج، هو ورجاله.
وسرعان ما امتدت المملكة السعودية من نجد وحتى الأحساء إلى نجران؛ فأثارت حفيظة الدولة العثمانية، التي أغرت بها محمد علي، والي مصر. وقبْل أن توافي سعوداً منيته، عام 1814، كان محمد علي قد أحكم سيطرته على الحجاز. ولم يستطع خليفة سعود، ولده عبدالله، أن يوقف زحف المصريين.

 فاحتلوا الرياض، عام 1818. واستولوا، في العام نفسه، على الدرعية، ونفوا حاكمها إلى إستانبول، حيث أُعدم. عمدت الدولة العثمانية، بين عامَي 1818 و1824، إلى إقامة بعض المواقع العسكرية؛ إيذاناً بسيطرتها عليها، وانحسار نفوذ آل سعود عنها.


ولم يلبث هؤلاء أن انتعشوا، إثر تولِّي تركي، ابن عم سعود بن عبدالعزيز، إمارة نجد، عام 1824، ثم سيطرته على الرياض. وبعد اغتياله، عام 1834، خلفه ابنه الأكبر فيصل، الذي اضطلع بالإمامة، ورفض الاعتراف بسلطة والي مصر.

 فسارع محمد علي، عام 1838، إلى مواجهته، حيث أسره، واستعاد سيطرته على نجد. وأرسل الأسير السعودي إلى القاهرة، حيث بقي خمس سنوات، قبْل أن يتمكن من الفرار، والعودة إلى موطنه. أمّا محمد علي، فقد اضطر، بعد إعلانه استقلال مصر عن الدولة العثمانية، إلى استعادة قواته المرابطة في نجد؛ من أجل تدعيم موقفه في مصر.

 عقب وفاة فيصل، عام 1865، طال اختلاف بنيه في خلافته حتى عام 1889، حين نجح أصغرهم، عبدالرحمن، في بسط سيطرته على الأسرة السعودية الحاكمة، من خلال توليه زعامتها.

 وتمركزت سلطتها في الرياض.
وليس عجيباً، والحالة هذه، أن يعتري الوهن البيت السعودي. وزاده وهناً، أن القائد القبلي الشمري، محمد بن رشيد، كان قد نجح، وهو في المنفى، في تأسيس كيان سياسي قوي، في معظم أنحاء نجد؛ لا، بل إنه استولى على الأحساء، عام 1871، بعد توقيعه معاهدة مع تركي. وسرعان ما استولى، عام 1891، على نجد كلّها، بعد استيلائه على الرياض؛ ما أجبر عبدالرحمن على مغادرة المدينة، ليقيم، عدة شهور، بين قبائل آل مرة، في القفر العظيم في أطراف الربع الخالي؛ وبرفقته ولده، عبدالعزير آل سعود، قدر المملكة المقبل.


وانتهى المطاف بعبدالرحمن في البحرين، حيث قام بجمع عائلته، ثم ذهب إلى الكويت، ليعيش هناك في المنفى. التاريخ الحديث إن التاريخ الحديث للمملكة العربية السعودية، يبدأ عام 1902 ، حينما استعاد عبدالعزيز آل سعود السيطرة على مدينة الرياض؛ على الرغم من الصعوبات التي واجهته، وجعلت مهمته شبه مستحيلة، إلا على جسور. ولعل أبرزها قلة أنصاره

. فقد غادر الكويت، في ديسمبر 1901، في أربعين منهم؛ ليصلوا، في يناير 1902، إلى مدينة الرياض، حيث كان هجوم عبدالعزيز آل سعود على حصن المصمك، وانتزاع المدينة من يد ابن الرشيد، آية في البطولة.
لا، بل نذر للنضال 31 عاماً من عمره، خاض خلالها معارك شتى، وبخاصة في جدة والمدينة المنورة.
وُلِد عبدالعزيز آل سعود عام 1880، وأمضى سنواته الأولى، مع والده، في المنفى، في الكويت.

 وبعد إحكام سيطرته على الرياض، أمعن، طيلة اثنَى عشر عاماً، في مكافحة المنطقة المحيطة بالمدينة، وتحرير شرقي الدولة من الأتراك.
وأعانه على ذلك رغبة القبائل العربية عن هؤلاء، وطموحها إلى مَن يناوئهم. وفي الثالث والعشرين من سبتمبر 1932، سمِّيت المناطق الخاضعة لحكم عبدالعزيز باسم: المملكة العربية السعودية.

 وفي عام 1936، وقَّعت معاهدة مع اليمن؛ لتوضيح الحدود الجنوبية للمملكة. طفق عبدالعزيز يوفر الشرع والنظام لمملكته الحديثة. ففوض مسؤولية كلّ قبيلة إلى شيخها، تحت سلطة الملك المخول التدخل لفرض الأمن والاستقرار؛ حؤولاً دون الفوضى الداخلية، التي تُغري بالتدخل الخارجي.
وافت الملك منيته، في نوفمبر 1953.
وخلفه ولده الأكبر، سعود، الذي تميز بتوطيد علاقات المملكة بجيرانها. كما توافرت في عهده، الإنجازات التعليمية، والخدمات الاجتماعية؛ فضلاً عن توسيع الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة.


واعترت ملكه مشاكل مادية، حملت وليّ العهد، فيصل بن عبدالعزيز، على اتخاذ إجراءات تقشفية؛ لاستعادة المملكة توازنها المادي. وبعد أحد عشر عاماً، تخلَّى الملك سعود عن الحكم؛ فتولاه وليّ عهده، أخوه فيصل، الذي أمعن في التنظيم والإصلاح، متبعاً سياسة "التغيير – البطيء"؛ فآرسى قواعد مركزية الحكومة والإدارة.
وأَوْلى اهتمامه تنمية موارد المملكة، فاعتمد الخطة التنموية الأولى 1969/1970. وقد أظهرت هذه الخطة، على ما شابها من قيود، أهمية المملكة، بصفتها قوة مالية رائدة في العالم الإسلامي؛ ومساهمتها في الاقتصاد الدولي، بكونها أحد المنتجين الكبار للبترول.

 اعتلى عرش المملكة العربية السعودية، بعد وفاة الملك فيصل، عام 1975، أخوه خالد. وقد أعان الملك الجديد على مهامه تمرُّسه بحكم الحجاز، بين عامَي 1932 و1934، واضطلاعه بوزارة الداخلية، عام 1934؛ فضلاً عن شد أزره بأخيه فهد، النائب الأول لرئيس الوزراء.
فبادر، غير عابئ بمرض قلبه، إلى تدبير شؤون مملكته. وابتدأ بتنفيذ الخطة الخمسية الثانية لتطوير البنية التحتية، والتي أسهمت في ازدهار المملكة ورخائها. كما حاول إخماد الحرب الأهلية اللبنانية. ورعى القمة التاريخية للدول العربية، في الطائف ومكة المكرمة، عام 1981.

 وافتتح، في العام نفسه، مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وخَلَفَ الملك خالداً أخوه فهد، عام 1982. وناط خادم الحرمَين الشريفَين الجديد مكتبه الأعلى بخبراء مَهَرَة؛ وهو الخبير المجرِّب. فقد عُهد إليه، عام 1953، بوزارة التعليم.
وظل في منصبه خمس سنوات، أرسى خلالها برنامجاً تعليمياً طموحاً.

 وفُوضت إليه، عام 1962، وزارة الداخلية، فاضطلع بها طيلة ثلاثة عشر عاماً وخلال هذه الفترة أكد أن الوزارة يمكنها أن تضطلع بوظائفها بنفس الكفاءة التي يمكن أن تقوم بها مثل هذه المنظمة في العالم.

 وما إن أصبح ولياً للعهد، عام 1975، حتى تولى الإشراف على وضع الخطط الخمسية وتنفيذها، ولا سيما ثانيتها. بي
د أن خصيصة عهده الأُولى، تمثلت في نشاطه الدبلوماسي الدولي. وفي الأول من أغسطس 2005، وافته المنية؛ فَخَلَفَه وليّ العهد الأمير عبدالله. ولد الملك عبدالله، عام 1924، في الرياض. وفيها تلقى تعليماً دينياً. بيد أن طموحه تخطى ذلك إلى التبحُّر في التاريخ، وعلم السياسة، والعلاقات الاجتماعية؛ ما جعله شديد التأثير في سياسات المملكة: الداخلية والخارجية.

 ناهيك بشيمه النبيلة، التي عززتها في نفسه معاشرته للبدو في الصحراء، سنوات طوالاً. لقد جمع خادم الحرمَين الشريفَين بين المُلك ورئاسة الوزراء ورئاسة الحرس الوطني الملكي، الذي ما فتئ يقوده منذ عام 1962، وهو الذي يتكون من أحفاد الذين قاتلوا بجانب الملك عبدالعزيز.
ولم يقتصر اهتمام الملك بالحرس الوطني على جعْله قوة عسكرية حديثة، وفعّالة؛ بل طمح في تحويله إلى مؤسسة اجتماعية وثقافية، فريدة في نوعها. وعُني الملك عبدالله بالتراث الثقافي للمملكة. فنشط، ولمّا يزل ولياً للعهد، عام 1985، لإقامة المهرجان الوطني السنوي للتراث والثقافة، في الجنادرية، حيث الأغاني الفلكورية والعرضة بالسيف، والفاعليات الأدبية. ولم يغفل خادم الحرمَين الشريفَين حلفاء المملكة، بل زار كلاً منهم. وبذل مساعيه الحميدة بين الدول العربية.